بعد ذلك نبحث عن :

الأربعاء، يوليو 07، 2010

الأخطاء المزعومة في القرآن الكريم

استشكل البعض ما ورد في سورة الكهف، في سياق الحديث عن رؤية الملك ذي القرنين الشمس وهي تغرب في عين حمئة، وذلك في قوله:(( حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً )) (الكهف: 86)، فتساءلوا كيف تغرب الشمس في عين صغيرة على الأرض وهي نجم عظيم يدور في السماء؟

لا ريب أن القول بغياب الشمس في عين أو بحر بعيد كل البعد عن أبسط معارفنا العلمية التي قررها القرآن منذ زمن بعيد؛ فقد ذكر القرآن أن الشمس والقمر والأرض كواكب أو نجوم تسبح في أفلاكها في السماء ((
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)) (الأنبياء: 33)، فلكل فلكه الخاص الذي لا يتداخل مع فلك غيره، فكيف يسوغ – بعد ذلك – أن ينسب إليه القول بغروب الشمس في عين من عيون الأرض.
إن هذا القول أبعد ما يكون عن لفظ القرآن ومعناه ، ولو كان هذا الفهم المغلوط مراداً؛ لوجب أن تشرق الشمس من نفس المحل وعلى نفس القوم الذين غربت عليهم، وهو ما لا يظنه عاقل، ولو صغرت سنه ، وهو ما ينفيه القرآن في نفس السياق، إذ بعد غياب الشمس انطلق ذو القرنين تجاه مشرقها ((
ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ` حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً )) (الكهف: 89-90).
 القرآن في هذه الآية وصف ما تبدى لذي القرنين ساعة الغروب، حيث ((
وجدها تغرب في عين حمئة))، ولم يقل القرآن : إن الشمس تغرب في تلك العين.
ومثل هذا كمثل ما يراه الناظر من غروب الشمس في البحر أو خلف جبل، فهو يجدها كذلك فيما يتبدى له، وهي في حقيقتها ليست كذلك.


وهذا الفهم للآية ليس تأولاً لها في عصر العلم، بل هو قول معروف تداوله العلماء منذ قرون طويلة ، فقد نقل القفال (تـ 507هـ) عن العلماء قولهم في تفسير هذه الآية: "
ليس المراد أنه انتهى إلى الشمس مغرباً ومشرقاً حتى وصل إلى جرمها ومسها ، لأنها تدور مع السماء حول الأرض، من غير أن تلتصق بالأرض، وهي أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض، بل هي أكبر من الأرض أضعافاً مضاعفة ، بل المراد أنه انتهى إلى آخر العمارة من جهة المغرب ومن جهة المشرق ، فوجدها في رأي العين تغرب في عين حمئة ، كما أنا نشاهدها في الأرض الملساء كأنها تدخل في الأرض، ولهذا قال: ?وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْراً ?، ولم يرد أنها تطلع عليهم بأن تماسهم وتلاصقهم" ([1]).
وقال الرازي: "ثبت بالدليل أن الأرض كرة، وأن السماء محيطة بها ، ولا شك أن الشمس في الفلك ، وأيضاً قال : ((
وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً )) ومعلوم أن جلوس قوم في قرب الشمس غير موجود ، وأيضاً الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض ، إذا ثبت هذا فنقول: تأويل قوله :(( تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ )) من وجوه:
الأول : أن ذا القرنين لما بلغ موضعها في المغرب ولم يبق بعده شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهدة مظلمة، وإن لم تكن كذلك في الحقيقة، كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشط، وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر ، هذا هو التأويل الذي ذكره أبو علي الجبائي في تفسيره .
 الثاني : أن للجانب الغربي من الأرض مساكن يحيط البحر بها، فالناظر إلى الشمس يتخيل كأنها تغيب في تلك البحار"([2]).
وقال ابن كثير: " ((
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ)) أي: فسلك طريقًا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض. وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدّة والشمس تغرب من ورائه فشـيء لا حقيقة له. وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم.
 وقوله: ? وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ? أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط ، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله ، يراها كأنها تغرب فيه ، وهي لا تفارق الفلك الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه"([3]).
وما زال هذا المعنى مشهوراً عند العلماء في القديم والحديث، ومنه قول سيد قطب: "مغرب الشمس هو المكان الذي تغرب عنده وراء الأفق ، و هو يختلف بالنسبة إلى المواضع ، فبعض المواضع يرى الرائي فيها أن الشمس تغرب خلف الجبل ، تغرب في الماء كما في المحيطات … والظاهر من النص أن ذا القرنين غرب حتى وصل إلى نقطة على شاطئ المحيط الأطلسي … فرأى الشمس تغرب فيه، والأرجح أنه كان عند مصب أحد الأنهار حيث تكثر الأعشاب، ويجتمع حولها طين لزج هو الحمأ ، وتوجد البرك، وكأنها عيون الماء … عند هذه الحمأة وجد ذو القرنين قوماً…"([4]).
ولئن كان المدعي لهذه الأبطولة يتحدث عن غروب الشمس في عين ؛ فإن القرآن تحدث عن مغارب الشمس، وأراد بذلك – والله أعلم- ما نعرفه اليوم من دوام الغروب والشروق بدوام دوران الأرض حول محورها.
ويشكل على هذا المعنى ما روي عن النبي
r من حديث أبي ذر t : «يا أبا ذر، هل تدري أين تغيب هذه الشمس ؟ .. فإنها تغرب في عين حمئة، تنطلق حتى تخر لربها ساجدة تحت العرش، فإذا كان خروجها أذن الله لها، فإذا أراد الله أن يطلعها من مغربها حبسها»([5]).
 لكن هذا الحديث لا يصح نسبته إلى النبي
r لأنه من رواية سفيان بن حسين الواسطي السلمي، وهو راو وهَّى حديثه أهلُ التحقيق والاختصاص.
فقد سأل المروزيُ الإمامَ أحمد عن سفيان بن حسين كيف هو ؟ فقال: "ليس بذاك، وضعفه"([6]).
وقال ابن أبي شيبة: "كان ثقة، ولكنه كان مضطرباً في الحديث"([7]).
وقال محمد بن سعد: "ثقة يخطئ في حديثه كثيراً"([8]).
وقال يحيى بن معين عنه: "ليس بالحافظ"([9]).
وعليه فلا اعتداد بروايته، فهي دون مرتبة الاحتجاج، واستبان براءة القرآن من الفهم السخيف بأن الشمس تغرب في بئر ماء.

كتبه / الدكتور منقذ السقار
للرجوع الى قسم د منقذ السقار للرد علي الشبهات تنزيه القرآن الكريم عن دعـاوى المبطلين

الهوامش
([1]) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (11/50).
([2]) التفسير الكبير، الرازي (21/166).
([3]) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير (3/191) .
([4]) في ظلال القرآن، سيد قطب (3/2291).
([5]) أخرجه البزار ح (4010).
([6]) تاريخ بغداد، الخطيب (9/149).
([7]) تهذيب الكمال، المزي (11/141).
([8]) المصدر السابق (11/139).
([9]) تهذيب التهذيب (4/190).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يشرفنى اضافة تعليقك على الموضوع سواء نقد او شكر