بعد ذلك نبحث عن :

الأربعاء، أغسطس 25، 2010

كتاب المسيح بن مريم نظرة سلفية للشيخ رفاعى سرور

_تحميل الكتاب  على الرابط التالى
http://www.mediafire.com/?1doe4jm38baf0m4

بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا الله محمد رسول الله، الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين.
{ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون } [ الأنعام: 1].
و{ الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل } [الإسراء: 111].
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم.. الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد..
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا.. أرسله بالحق بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.
ثم أما بعد:
ولذا كان الالتزام بالفهم السلفي في كل قضايا الإسلام ضرورة جوهرية.. فإن الالتزام به في ((قضية المسيح)) يتضمن للضرورة معنى خاصًّا.
واختصاص معنى الضرورة في قضية المسيح يرجع إلى أن هذه القضية بطبيعتها ((فتنة))؛ ولذا أصبحت ((السلفية)) بأقصى ضرورتها ومناسبة مضمونها هي الصيغة الإسلامية الوحيدة لمعالجة هذه الفتنة، باعتبار أن الالتزام بالشرع نصوصًا وأحكامًا وفهمًا هو المواجهة الصحيحة للفتن، ومن هنا كان تصنيف الإمام البخاري لـ((كتاب الأحكام)) بعد ((كتاب الفتن)) لإثبات أثر الالتزام بالأحكام في مواجهة الفتن.
كما أن قضية المسيح قضية ((غيبية))، مما يُحَتِّم التمسك بالنصوص الشرعية الواردة فيها والفهم السلفي لها، حتى لا يخرج التفكير والاجتهاد عن هذه النصوص وعن هذا الفهم.
هذا هو الأساس الأول في سلفية دراسة قضية ((المسيح))..
أما الأساس الثاني فهو أن علاقة المسيح بأمة الرسول صلى الله عليه وسلم علاقة جوهرية، بدأت قبل نشأة الأمة الإسلامية..
ابتداءً بالبشارة التي كانت من عيسى برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث: { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } [الصف: 6]..
ومرورًا بنزوله في آخر الزمان، وكسره للصليب، وقتله للخنزير، ووضعه للجزية، حتى يصير الدين ملة واحدة وهي الإسلام..
وانتهاءً بدفنه بعد موته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم (1)...
لتكون قضية عيسى عليه السلام داخلة ضمن الواقع التاريخي للأمة، المرتبط بالطائفة القائمة بأمر هذا الدين، والتي ستقاتل الدجال مع عيسى ابن مريم؛ مما يدل على أن التوافق بين قضية عيسى والمفهوم الكامل للسلفية قائمٌ وظاهرٌ، منهجيًّا وواقعيًّا من البداية حتى النهاية.
كما أن الدراسة السلفية لقضية المسيح ستكون أساسًا لتفسير النصوص الشرعية التي لا يمكن تفسيرها إلا من خلال هذه الدراسة..
مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عصابتان من أمتي أحرزهما الله من النار؛ عصابة تغزو الهند، وعصابة تكون مع عيسى ابن مريم عليه السلام)) (2).
حيث سيتبين من الدراسة العلاقة المنهجية بين العصابتين التي تغزو الهند والتي تقاتل مع المسيح في آخر الزمان.
ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((يُحْشَرُ المُتَكَبّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذّرِّ فِي صُوَرِ الرجالِ، يَغْشَاهُمُ الذّلّ مِنْ كُلّ مَكَانِ، فيُسَاقُونَ إِلَى سَجْنٍ فِي جَهَنّمَ يُسَمّى بُولَس، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النّارِ طِينَةَ الْخَبَالِ)) (3).
كما أنه سيتبين من خلال الدراسة العلاقة بين اسم السجن الذي في جهنم، وبين ((بولس)) المحرِّف الأساسي لدين المسيح..
كما ترجع ضرورة مواجهة هذه القضية بالتصور السلفي إلى أن الصراع بين الإسلام والجاهلية سيتمحور على المدى البعيد وإلى قيام الساعة بين الإسلام والنصرانية المحرفة..
والتصور الإسلامي لعلامات الساعة يؤكد هذه الحقيقة، ومن هنا جاء قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عمران بيت القدس.. خراب يثرب، وخراب يثرب.. خروج الملحمة، وخروج الملحمة.. فتح القسطنطينية، وفتح القسطنطينية.. خروج الدجال)) (4).
فَذَكَر الحديث سياقَ الصراع بين الأمم الثلاث إلى آخر الزمان من خلال رموزها التاريخية، لتكون الغلبة في النهاية للمسلمين، ويتم لهم فيها ((فتح القسطنطينية))، الذي يعقبه خروج الدجال كما في الحديث.
وبذلك تُثبِتُ الأحاديث أن الصراع بين اليهود والنصارى والمسلمين سيكون باقيًا؛ لتحقيق التقابل الممتد إلى قيام الساعة، بين الحضارة الإسلامية القائمة في نشأتها والمرتبطة في بقائها بالدين الصحيح.. وحضارة الأمم اليهودية والنصرانية القائمة على تحريف هذا الدين الصحيح..
حيث لا يكون لبقائهم بعد تبديل دينهم إلا عِلَّة الحرب على الإسلام..!
وهكذا، يبقي الصراع حتى نهايته بين المسلمين والنصارى من خلال كل عناصره، وأخطرها: العنصر العِرقي الذي يمثله الروم كعرق للنصارى، بدليل قول رسول صلى الله عليه وسلم: ((أَشَدُّ النَّاسِ عَلَيْكُم الرُّوم.. ومَهْلِكُهُم مَعَ السَّاعَة)) (5).
قال الْمُسْتَوْرِدُ الْقُرَشِيُّ عِنْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ)) فقال له عمر: أَبْصِرْ ما تقول..! قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم..! (6)
وعرق الروم يمثله الآن الغرب بدفتيه: أوربا ((التاريخية))، وأمريكا المجتمعة من الأوباش الأوربية.
ومن الفهم السلفي للصراع القائم على الأساس الديني، والباقي إلى آخر الزمان -والذي تتحدد ملامحه بقوة في الواقع القائم الآن- تنشأ ضرورة التمسك بالتصور السلفي كمضمون منهجي للأمة المسلمة، التي تمثل الطرف الأساسي المقابل لكل أطراف هذا الصراع، وخصوصًا عندما يحرص النصارى على تحويل المسلمين عن سلفيتهم -التي تمثل أصل دينهم- مما يستوجب أن تكون المواجهة الإسلامية من خلال هذا الأصل المستهدف.. حفاظًا عليه، واحتماءً به..
وهذا الحرص النصراني هو امتداد لموقف الانحراف الأصلي الذي ابتعدوا به عن الوحي وأصل الدين: { هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا } [القصص: 63].
مما يجعل التمسك بالمنهج السلفي مواجهة مباشرة لهذا المنهج التحريفي..
والمنهج السلفي كمضمون للمواجهة.. له معالم، لعل أهمها حسم قضية المسيح من خلال الثوابت الإسلامية، وهذا المنهج هو منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعندما دخل عدي ابن حاتم وهو نصراني على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عَلَّق في صدره صليبًا قال له: ((يا عدي، اطرح عنك هذا الوثن)) (7) فتضمنت العبارة ثابتة من ثوابت الإسلام، واجه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم موقف عدي، فكان لهذه المواجهة أثر نفسيٌّ قويٌّ، فاستجاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم.
وبذلك تكون الدراسة السلفية للمسيح ضرورة عقدية، بحيث يمكن القول معها: إننا لا نستطيع حسم هذه القضية إلا بهذا التصور.
ولأن المنهج السلفي منهج شرعي؛ فإن هذا المنهج سيكون أساسًا في تحديد القضايا التي يجب مناقشتها كضرورة شرعية، وتحديد القضايا التي يجوز فيها الخلاف والتي لا يجوز فيها أي خلاف.
وفي هذا الإطار يجب التنبيه على أن أصحاب عقيدة التوحيد الخالص هم أقدر الناس على المواجهة الصحيحة للنصرانية المحرَّفة، وهم الذين يملكون التصور الكامل لتلك المواجهة، حتى أن من يقرأ الكتابات السلفية في هذا المجال يتبين له هذا الأمر بصورة واضحة، والمثال على ذلك كتاب ((الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح)) لشيخ الإسلام ابن تيمية.
وللالتزام بالمنهج السلفي نتائجه الإيجابية، حيث أنه يمثل ضرورة قلبية وجدانية؛ لأن التعامل مع القرآن والحديث وأقوال الصحابة والتابعين سيملأ كيان الإنسان المسلم يقينًا واطمئنانًا إلى عقيدته الصحيحة، ليكون قادرًا -بإذن الله- على مواجهة كل أساليب الإغراء والحيل المعادية للإسلام والتوحيد.
وهذه الدراسة تعالج خطر الاقتصار والبحث في كتب النصارى ومصادرهم في مهمة مواجهتهم، حيث تجاوز هذا النوع من الدراسة حدود الضرورة، فكان ذلك على حساب واجب الدراسة السلفية.
ومع ذلك فهي لا تمنع التعامل مع نصوص الكتابات النصرانية ومسائلها، ولكنها تمنع الوقوف عند حد دراسة هذه الكتابات دون التأسيس السلفي لهذه المواحهة.
وليس أدل على ذلك من مناقشة ابن تيمية لمسائل الترجمة، والفلسفة اليونانية، وعقائد الفرق النصرانية المختلفة من خلال نصوصهم ومصادرهم، كما سيتبين في الكتاب إن شاء الله تعالى.
وكما كان للالتزام بالمنهج السلفي نتائجه الإيجابية.. كان للابتعاد عن هذا المنهج نتائجه السلبية، ومن أخطرها: الاستهانة بخطر بدعة ادعاء الولد!!
وكانت أهم أسباب الاستهانة بخطر هذه البدعة هو سخافتها وعدم معقوليتها؛ الأمر الذي أوجد اطمئنانًا إلى عدم إمكانية انتشارها، ولكن أصحاب هذه البدعة لم يرتكزوا على العقل في محاولتهم نشر بدعتهم، بل ارتكزوا على أساليب الإغراء والحيل والاستناد على القوى السياسية العالمية المعادية للإسلام والتوحيد، مما جعلها تأخذ حجمًا في الواقع لا يتناسب مع الغموض والتناقضات التي انطبعت بها.
والتصور السلفي هو الذي يعطي الأمة الإحساس الواجب والصحيح تجاه هذه البدعة، وفى ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (ففي الجملة ما قال قوم من أهل الملل قولا في الله إلا وقول النصارى أقبح منه).
ولما كانت القاعدة السلفية في الدعوة هي مواجهة قضايا الشرك بحسب ظهورها وحجمها في الواقع؛ فإن الأمر يقتضي التناسب بين الحجم الذي أخذته بدعة ((ادعاء الولد لله)) وبين الدعوة إلى التوحيد من خلال نفي هذه البدعة، ومهمة القضاء عليها؛ لتصبح محاربة هذه البدعة أهم وأخطر مهام الدعوة.. خصوصًا إذا كانت هذه البدعة تمثل المضمون العقدي لكل القوى السياسية العالمية المعادية للإسلام..!
ويجب أن تجتمع في الدراسة السلفية لقضية المسيح عليه السلام كلُّ علوم الدين وأصوله؛ لتكون حاكمة في كل الاختلافات والاجتهادات المتعلقة بهذه القضية..
وأوضح مثال على ذلك: ((علم الحديث)) وقواعده، التي تحسم مشكلة التشبيه، من خلال قواعد النقل وتعريف التواتر على أنه ليس بكثرة الطرق.. ولكن بالثقة في أطراف النقل، بحيث يتساوى أطراف التواتر في الثقة بهم، وبصدقهم في الأخبار.
وبهذه القاعدة تسقط شهادة اليهود والرومان -لكفرهم- على أنَّ المصلوب هو المسيح..
وفي إطار ((علم الحديث)) أيضًا تتحد علاقة القضية بمنهج التصنيف عند علماء الحديث، حيث أورد البخاري قضية ((زعم الولد)) في عدة كتب من الجامع الصحيح: كتاب التفسير، وكتاب التوحيد، وكتاب الأدب، وكتاب بدء الخلق.. وذلك لتعلق القضية بالتصور الإسلامي من كل جوانبه.
وللاستفادة من إيجابيات دراسة قضية المسيح بالتصور السلفي ينبغي الالتزام بعدة قواعد، أهمها:
- الوقوف عند حد النصوص الشرعية.. فلا ننشغل بمسألة لم يرد فيها نص شرعي -مثل مسألة شخص المشبه به- وبذلك تثبت الحدود العقدية للقضية فلا نُدخِل فيها ما ليس منها. وتقرير هذه القاعدة لا يمنع مناقشة أي اجتهاد إسلامي يمكن الاستئناس به، لكنه يمنع من التفرق والاختلاف حول مسألة ليست داخلة ضمن التصور السلفي لقضية المسيح.
- الاستناد إلى أصح الآثار السلفية الواردة في بحث قضايا الدراسة، وبالبحث فيما رواه أئمة الحديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.. نجد أن ما رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه قد حسم التفاصيل الدقيقة التي تعتبر مفترق طرق في سيرة المسيح عليه السلام.. فهو الذي روى تفاصيل حادثة الرفع والتشبيه..
وهو الذي روى التفاصيل التاريخية المتعلقة بنشأة قضية الرهبنة..
وفى إطار هذه القاعدة.. تظهر مشكلة ((الإسرائيليات)) وهي الروايات والأخبار التي رواها بعض المفسرين والمؤرخين عن أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين أسلموا.. لذا وجب التنبه لها، والحذر من عواقبها.. وذلك بتحكيم قواعد علم الرواية والإسناد عند التعامل مع نصوص التراث المتعلقة بسيرة المسيح التاريخية..
وكمثال للخلل الناشئ عن عدم الالتزام بهذا التصور.. نجد تضارب واختلاف الروايات المتناثرة في التفسير بشأن حادثة الرفع والصلب والتشبيه، والتي أورد المفسرون فيها روايات متعددة ومختلفة..
وباعتبار أن قضية المسيح عليه السلام قضية عقدية.. فلا يجوز أن نعالج التطور التاريخي المتعلق بأتباعه ودعوته بغير النصوص السلفية الشرعية، حتى لا يخرج هذا التاريخ عن المضمون العقدي للقضية، وليس من الصواب الظن بأن النصوص السلفية لا تفي بهذه المهمة..
والدراسة السلفية لقضية المسيح ليست مجرد الاستدلال بالنصوص الشرعية على مسائلها..
فمثلا: عندما تناقش الدراسة الحكمة من خلق عيسى من غير أب، والحكمة من التشبيه، والحكمة من رفع عيسى، والحكمة من نزوله، والحكمة من اختصاصه بالمساءلة يوم القيامة..
فإن هذه المناقشة تفسر العلاقة بين هذه المسائل بعضها مع بعض، كما تكشف الحكمة الجامعة لكل هذه المسائل، وتربط هذه الحكمة بالتصور الإسلامي العام، وذلك بإحكام منهجي يمثل بذاته منبعا لليقين، يحقق القناعة العقلية الكاملة والاطمئنان القلبي التام في تلك القضية.
فالدراسة السلفية لقضية المسيح ستعطيها حياة دائمة مع تواصل أجيال الأمة المسلمة، حيث ستتوارث هذه الأجيال عقيدة واضحة ثابتة تجعلها قادرة على مواجهة أي حملة صليبية تبشيرية تشهيرية ضد الإسلام.
ومن هنا كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم آية العز أبناءَ الأمة؛ لتصبح قضية نفي الولد عن الله هي قضية الأمة التي تعيشها الأجيال ويُرَبَّى عليها الغلمان..
آية العز الإلهي.. الذي تستمد منه الأمة عزها: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا } [الإسراء: 111].
يقول الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: (روى مطرف عن عبد الله بن كعب قال: افتتحت التوراة بفاتحة سورة الأنعام وختمت هذه السورة، وفي الخبر: ((أنها آية العز)) (8) رواه معاذ بن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم.. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أفصح الغلام من بني عبد المطلب علمه { وقل الحمد لله الذي } الآية) (9).
والله يقول الحق .. وهو يهدي السبيل ..


 ([1][1]) روى الترمذي بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: (مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ وَصِفَةُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ)، فَقَالَ أَبُو مَوْدُودٍ: وَقَدْ بَقِيَ فِي الْبَيْتِ مَوْضِعُ قَبْرٍ. قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.
([1][2]) رواه أحمد (22449)، والنسائي (3175)، كلاهما عن ثوبان مولى رسول الله |.
([1][3]) رواه أحمد (6677) والترمذي (2492) كلاهما عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.
([1][4]) رواه أحمد (22076) بسنده عن معاذ بن جبل.
([1][5]) رواه أحمد (17335) بسنده عن عمرو بن العاص.
([1][6]) رواه مسلم (2898).
([1][7]) رواه الترمذي (3095).
([1][8]) رواه أحمد (15672).
([1][9]) انظر: الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي (10/299).

الباب الأول التعريف السلفي بالله

 الفصل الأول : الأسماء


الأسماء
التعريف الإسلامي بالله .. أول ضمانات الصواب في العقيدة ..
والإطار الجامع للتعريف بالله .. هو موضوع أسماء الله الحسنى ..
لذلك كان هذا الموضوع هو أساس الدراسة السلفية لقضية عيسى ابن مريم ..
لأن التعريف بالله أساسه نفي الولد عن الله .. بدليل خواتيم سورة الإسراء، التي جاء فيها الارتباط بين قضية الأسماء الحسنى ونفي ادِّعاء الولد لله سبحانه وتعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا*وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 110-111].
لما أثبت الله لنفسه الكريمة الأسماء الحسنى .. نزه نَفْسَه -سبحانه- عن النقائص واتخاذ الولد، والشريك في الملك، وكذلك عن أن يكون له ولي أو وزير أو مشير: {ولم يكن له ولي من الذل} أي: ليس بذليل، فيحتاج إلى ذلك.
وبدليل قول الله عز وجل: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا*الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 1-2].
ومن هنا كان الخلل في قضية «التعريف بالله» هو بداية الانحراف في النصرانية.
وكان الخلل في قضية «الأسماء والصفات» هو بداية الانحراف في قضية «التعريف بالله».
وبذلك أصبح ادِّعاء الولد لله هو النقيض الأساسي للتصور الصحيح للأسماء والصفات.
وأصبحت عناصر الخلل في تصور الأسماء والصفات هي نفسها عناصر الانحراف في النصرانية.
وأخطر مثال لعناصر هذا الخلل: فقدان العلاقة بين اسم الله «الرحمن» واسم الله «القدير» ..فعندما أحدث النصارى بدعة «الكفَّارة» ارتكزوا على معنى الرحمة دون معنى القدرة ..فقالوا: إن خطيئة آدم تستوجب الموت: (أجرة الخطية هي موت) (رومية 23: 6) .. وكان لا بد من كفارة تُرفع بها الخطيئة، فأنزل الله ابنه الوحيد ليصلب (!!) ولتكون الكفارة - تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا-.
ولو أن معنى القدرة على المغفرة كان قائمًا مع معنى الرحمة .. لكان رفع الخطيئة أمرًا يسيرًا ..
وخصوصًا أن الكفارة جاءت بصورة مأساوية .. يظهر فيها معنى الاضطرار الإلهي واضحا! ويغيب فيها معنى القدرة على مغفرة الذنب دون نزول ابن الله «الوحيد» ..!!
ومن عناصر هذا الخلل أيضًا: حَصْر أسماء الله -سبحانه- في ثلاثة فقط .. فذكروا أن الله: إله واحد حيٌّ ناطق، فالذات عندهم هي: الآب الذي هو ابتداء الاثنين، والنطق: هو الابن المولود منه كولادة النطق من العقل، والحياة هي الروح القدس، واستدلوا على ذلك بما ينسبونه للمسيح من أنه قال: (عمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس) (متى 28: 19).
ومعلوم عندهم وعند سائر أهل الملل أن أسماء الله تبارك وتعالى متعددة كثيرة ..
قال الله في سورة الحشر: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون * هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحشر: 22-24].
وقال عز وجل: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف: 180]. قال سبحانه: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110].
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة))[1]، وهذا معناه في أشهر قولي العلماء وأصحهما: أن من أسمائه تعالى تسعة وتسعين اسمًا، من أحصاها دخل الجنة، وإلا فأسماؤه -تبارك وتعالى- أكثر من ذلك، كما في الحديث الآخر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ما أصاب عبدًا قط همٌّ ولا حزن وقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك -سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك- أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي؛ إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدل مكانه فرحًا)).
قالوا: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: ((بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن))[2].
فكمال ذات الله عز وجل وكمال صفاته مُوجِبٌ لتعدد أسمائه، وإذا كانت أسماء الله كثيرة -كالعزيز والقدير وغيرها- فالاقتصار على ثلاثة أسماء دون غيرها باطلٌ.
وكما ثبت الارتباط بين أسماء الله ونفي اتخاذه للولد بصفة عامة فقد ثبت الارتباط بين قضية عيسى ابن مريم وكل ما ورد من أسماء الله الحسنى على وجه التفصيل، من خلال السياقات القرآنية التي تناولت هذه القضية.
وسنتناول الأسماء التي كان الارتباط فيها مباشرًا مع تلك القضية.

«الرحمن» قال الله سبحانه وتعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا*لقد جئتم شيئا إدا*تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا*أن دعوا للرحمن ولدا*وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا*إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} [مريم: 88-93].
من خواتيم سورة مريم تبدأ علاقة الأسماء الحسنى بنفي ادِّعاء الولد لله من خلال اسم الله «الرحمن»؛ لأن ادِّعاء الولد لله يفسد تصور الخلق لمقام الألوهية ذاته بصورة كلية مؤثرة في معاني كل أسماء الله الحسنى؛ لأن اسم «الرحمن» علَمٌ على ذات الله مثل اسم «الله» بدليل قول الله في سوره الإسراء: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} [الإسراء: 110].
كما أن اسم «الرحمن» يثبت حقيقة أساسية في قضية الأسماء، وهي أن اسم «الرحمن» لا يكون لأحد إلا لله، حيث قال سبحانه: {رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} [مريم: 65]، قال ابن عباس: (هل تعلم للرب مثلًا أو شبيهًا)[3]، وقال أيضًا: (ليس أحد يُسمَّى الرحمن غيره، تبارك وتعالى وتقدس اسمه).
وبذلك كان اسم «الرحمن» فرقانًا بين مقام الله ومقام العباد، وهذا الفرقان هو أساس نفي الولد عن الله؛ لأن الخلط بين مقام الخالق والمخلوق كان السبب الأساسي لهذه البدعة.
كما كانت مناقشة ادِّعاء الولد باسم الله «الرحمن»؛ لأن أصحاب هذا الادعاء قالوا: إن الله أنزل ابنه الوحيد لخلاص البشر ورحمتهم، فأثبتت الآيات أنه لا رحمة في ادِّعاء الولد لله؛ لأن الرحمن الذي هو مصدر الرحمة ليس له ولد .. {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} ..
بل إن هذا الادعاء هو أخطر الأسباب لهلاك البشر ..
{تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا*أن دعوا للرحمن ولدا}.
ومن هنا يتناول القرآن قضية عيسى ابن مريم من خلال إثبات اسم الله «الرحمن» وصفة الرحمة؛ ابتداءً من بُشرى ولادته، عندما فاجأ جبريل مريم، فاستعاذت منه باسم الله «الرحمن»: {فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا*قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا*قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا*قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا*قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا} [مريم: 17-21]، فذكرت الآية أن عيسى آية ورحمة من الله.
وبذلك تَثبُت المنهجية القرآنية في معالجة بدعة ادِّعاء الولد باسم الله «الرحمن».
ومن أجل تعميق الإحساس بهذه المنهجية نضرب مثلًا آخر بقضية أخرى تماثل هذه القضية: فعندما كذَّب الكافرون بالنبي صلى الله عليه وسلم، ادَّعوا أن مقام الله أكبر من أن ينزل وحيًا على بشر، فجاء القرآن ليثبت نزول الوحي مع إثبات هذا المقام فقال سبحانه: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون} [الأنعام: 91].
فلما كانت علة ادِّعاء الكافرين هي: أن مقام الله أكبر من أن يرسل رسولًا إلى البشر- رد الله عليهم القول: بأن مقام الله إنما يقتضي هذا الوحي وهذه الرسالة.
فجعل قولهم بنفي الوحي والنبوة هو عين التنقص من مقام الله؛ لأنه يستلزم إهمال البشر وتركهم بعيدًا عن نور الله وهدايته.
وبذلك يكون القرآن قد رد على الكافرين ادِّعائهم، وعِلَّة هذا الادعاء، والمدخل الذي دخلوا منه إلى هذا الادعاء ..
وكذلك كان الأمر بالنسبة للرد على بدعة ادِّعاء الولد من خلال اسم الله «الرحمن».
«العزيز الحكيم» وارتباط قضية عيسى باسم الله «العزيز الحكيم» جاء من معنى الاسمين، ومن مضمون حقيقة خلق عيسى ..
فاسم الله «العزيز» معناه: تمام قدرة الله .. وخلق عيسى من غير أب هو تمام قدرة الله؛ لأن كمال التنوع في الخلق دليل على تمام القدرة الإلهية، حيث خلق سبحانه النوع الإنساني أربعة أقسام:
أحدها: لا من ذكر ولا من أنثى، وهو خلق أبيهم وأصلهم آدم.
والثاني: من ذكر بلا أنثى، كخلق أمهم حواء من ضلع من أضلاع آدم من غير أن تحمل بها أنثى، ويشتمل عليها بطن.
والثالث: خلقه من أنثى بلا ذكر، كخلق عيسى ابن مريم عليه السلام.
والرابع: خلق سائر النوع الإنساني من ذكر وأنثى.
وقد تأكد هذا المعنى من خلال هذا السياق: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون*الحق من ربك فلا تكن من الممترين*فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين*إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم} [آل عمران: 69-70].
كما أن الارتباط بين اسم الله «العزيز» و«قضية عيسى» يأتي من ناحية أخرى، وهي أن إثبات العزة لله يقتضي نفي الولد عنه، ولهذا ورد في مسند الإمام أحمد عن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ثَمَّ آية العز {الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} [الإسراء: 110] الآية كلها))[4].
فتنزيه الله عن الولد تنزيه عن النقائص، وهو ما يثبت العزة لله.
وهذه المعاني هي مضمون قول الله: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون*وسلام على المرسلين*والحمد لله رب العالمين} [الصافات: 180-182].
حيث جاء تنزيه الله عما يصفون بقوله سبحانه: {رب العزة}.
من أجل ذلك نصت الآيات بصورة مباشرة على ارتباط قضية عيسى باسم الله «العزيز الحكيم»، وذلك في قوله سبحانه: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب*ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد*إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} [المائدة: 116-118].
أي: فإن مغفرتك لهم صادرةٌ عن العزة التي هي كمال القدرة، وعن الحكمة التي هي تمام العلم، لا عن عجز وجهل.
وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام: {واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36]، ولم يقل: (فإنك عزيز حكيم) لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء، أي: أن تغفر لهم وترحمهم بأن توفِّقهم للرجوع من الشرك إلي التوحيد، ومن المعصية إلي الطاعة كما في الحديث: ((اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون))[5].
ويبين ابن القيم أن كمال اقتران الأسماء الحسنى ببعضها هو مصدر الخلق والأمر، فيقول في تفسير اقتران اسم «العزيز» باسم «الحكيم» في تفسير {إنك أنت العزيز الحكيم} أي: مصدر ذلك وسببه وغايته صادر عن كمال قدرتك وكمال علمك، فإن العزة كمال القدرة، والحكمة كمال العلم، وبهاتين الصفتين يقضي سبحانه وتعالى بما شاء، ويأمر وينهى، ويثيب ويعاقب، فهاتان الصفتان مصدر الخلق والأمر.
وارتباط قضية عيسى باسم الله «العزيز» كما حددته الآيات بكمال القدرة على المغفرة يفسر جانبًا خطيرًا من القضية، وهو المتعلق بمعصية آدم وفكرة الكفارة المختلقة.
إذ إن التناقض في هذه القضية هو أن «الكفَّارة بصلب المسيح» التي حاولوا بها إثبات حقيقة العدل، أضاعوا بها حقيقة القدرة الإلهية على مغفرة الذنب، وهي «العزة» التي تثبتها الآية.
ومما يتمم ارتباط اسم الله «العزيز» بنفي الصلب وبدعة الكفارة .. ارتباطه بالقدرة على إنجاء عيسى ورفعه إلى السماء، وذلك في قول الله: {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما*وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا*بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 156-158].
ولما كان إثبات العزة لله نافيًا عنه اتخاذ الولد كان إثبات العزة إثباتًا لقَدْر الله حق قدره كما قال سبحانه: {ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز} [الحج: 74]، فلا يكون تقدير الله حق قدره .. إلا بنفي الولد عنه سبحانه وتعالى.
«الملك» وفي اسم الله «الملك» جاء قول الله عز وجل: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا*الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا} [الفرقان: 1، 2].
وقوله سبحانه: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير} [المائدة: 17].
فالأرض وما عليها خلق مقهور في ملك الله، وكذلك عيسى وأمه، لا يملكون من أمرهم شيئًا، لذلك ذكرت الآيات القدرة على إهلاك من يشاء وخلق ما يشاء، والقدرة على كل شيء، والمغفرة لمن يشاء وتعذيب من يشاء، وأن إليه مصير كل شيء .. فكانت هذه هي نفس العناصر المفسِّرة لقضية عيسى عليه السلام.
«الوكيل» ومن تعلُّق قضية عيسى ابن مريم باسم الله «العزيز» جاء تعلقها باسم الله «الوكيل»، وذلك باعتبار العلاقة بين الاسمين، حيث جاء إثباتها في قول الله عز وجل: {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} [الأنفال: 49]، وقوله: {وتوكل على العزيز الرحيم} [الشعراء: 217].
وذلك لأن ثبوت اسم الله الوكيل كان بمقتضى كمال الخلق الدال على كمال القدرة، كما في قوله سبحانه: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38].
لذلك ختم الله دحضه لفرية ادِّعاء الولد باسمه «الوكيل»: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} [النساء: 171].
ومن اسم الله «الوكيل» تثبت حقيقة هامة في قضية عيسى، وهي «المقاليد» كما في قوله سبحانه: {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل*له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون} [الزمر: 62-63].
وقوله تعالى: {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير*ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب*فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير*له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم} [الشورى: 9-12].
قال ابن كثير في تفسير كلمة «المقاليد»: (المقاليد هي مفاتيح وخزائن السماوات والأرض، والمعنى على كلا القولين أن أَزِمَّة الأمور بيده تبارك وتعالى، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وأنه خالق الأشياء كلها، وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكلٌّ تحت تدبيره)[6].
ومن أبرز خصائص من له مقاليد السماوات والأرض: «الدينونة» .. وهي الحساب والجزاء.
وهو الأمر الذي اختص الله به نفسه فقال سبحانه: {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4]، ولكن انحراف النصارى في مقام الألوهية جعلهم يقولون: إن الله -سبحانه!- ليس بيده شيء .. (الآب يحب الابن، وقد دفع كل شيء في يده) (يوحنا 3: 35).
وقالوا: إن الآب لا يدين أحدًا .. (بل قد أعطى كل الدينونة للابن) (يوحنا: 5).
وإعطاء «الدينونة» للابن معناه: أن مقاليد الأمور ليست بيد الله!
وهذا مثال آخر للخلل في تصور الأسماء والصفات ..!!
«الغني الحميد» قال الله عز وجل: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض *إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون} [يونس: 68].
إن إثبات اسم الله «الغني» يتناقض كليةً مع أن يتخذ الله ولدا ..؛ لأن الرغبة في الولد افتقار وحاجة، يتنزه الله عنها سبحانه وتعالى، كما قال الله في زكريا: {ذكر رحمت ربك عبده زكريا*إذ نادى ربه نداء خفيا*قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا*وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا*يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا} [مريم: 2-6].
فتمثلت في زكريا وكلماته كل عناصر الافتقار إلى الولد:
النداء الخفي .. الدال على اللهفة وشدة الاضطرار ..
وَهَنُ العظم .. الدال على تمام الضعف والعجز ..
اشتعال الرأس شيبًا .. الدال على دنو الأجل وبلوغ النهاية ..
خفت الموالي من ورائي .. الدال على الخوف من المستقبل وتقلباته ..
هب لي من لدنك وليًا .. الدالة على الاحتياج للمُعِين والنصير ..
يرثني ويرث من آل يعقوب .. الدالة على الرغبة في الامتداد والتواصل ..
كانت هذه الكلمات هي افتتاح سياق السورة «سورة مريم» التي جاءت بالنفي القاطع بالصيغة المنطقية لادعاء الولد لله: {وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا} [مريم: 92].
وكما كان اقتران اسم الله «العزيز» باسم الله «الحكيم» له مدلول إضافي على كل منهما بمفرده- كان اقتران اسم الله «الغني» باسم الله «الحميد» .. قال تعالى: {واعلموا أن الله غني حميد} [البقرة: 267].
فالغنى صفة كمال، والحمد صفة كمال، واقتران غناه بحمده كمال أيضًا.
والحمد هو مقتضى اسم الله «الحميد»، ويعني: مدح الله بصفات كماله ونعوت جلاله مع الحب والتعظيم ..
ونفي الولد عن الله من أهم مقتضيات الحمد؛ لذلك تجده يأتي في القرآن مرتبطا بنفي ادِّعاء الولد:
قال الله تعالى: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا*قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا*قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه*وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا} [الكهف: 1-4].
وقال سبحانه: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا} [الإسراء: 111].
وقول: {الحمد لله} في سياق نفي ادِّعاء الولد .. حقيقةٌ لا يُفهَم مقامُ الألوهية إلا بها ..
لأن الألوهية هي المقام الذي يتجه إليه العبد بكليته .. يتجه إليه وحده .. فلا شيء في العبد خارج هذا التوجه .. ولا وجهة أخرى له إلا هذا الاتجاه ..
فكيف يكون إحساس بالله .. وإحساس بابن الله ..؟!
من منهما صاحب مقام الألوهية الذي سأتجه إليه بكياني كله .. وأتجه إليه وحده..؟!
«السلام» {والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} [مريم: 33].
«السلام» اسمٌ من أسمائه الحسنى، ومعناه: المُنزَّه عن الخطأ في أفعاله.
واقتران الفعل الإلهي باسم الله «السلام» يكون تأكيدًا لنفي الخطأ عن فعله سبحانه.
وعندما يتم الفعل الإلهي في الواقع يكون هذا الفعل مرتبطًا بكل مراحله وأطرافه وحكمته النهائية باسم الله «السلام» ..
وإثبات هذا الاسم في مراحل وجود عيسى يعني إثبات الحكمة من خلقه بلا أب من جهة، وإثبات حكمة حفظه من الشيطان من جهة أخرى[7]، وإثبات الحكمة من نزوله في آخر الزمان من جهة ثالثة.
واسم «السلام» فيه تقابل مع الشيطان، باعتبار أن العداوة والحرب هي المعنى الأساسي لأعماله بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [البقرة: 208].
ولذلك كان السلام على عيسى في كل مراحل وجوده: السلام عليه يوم وُلِد، ويوم يموت، ويوم يبعث حيًّا ..
فيوم ولد: أحرزه الله من الشيطان، فلم ينخس أمه –مريم- في بطنها عند الولادة، كما يفعل بكل النساء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها))[8].
وفي حياته: كف الله عنه بني إسرائيل: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين} [المائدة: 110].
ثم رَفَعَه مطهرًا له: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا} [آل عمران: 55].
وعند موته: يكون السلام والأمن قد عم الأرض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم؛ لأنه لم يكن بيني وبينه نبي، وإنه نازل، فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ رجلًا مربوعًا إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، فيُهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، ويُهلك الله في زمانه المسيح الدجال، وتقع الآمنة على الأرض، حتى ترتع الأُسُود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الغلمان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يتوفى، فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه))[9].
ويوم يبعث حيًّا: فقد أَمَّنه الله من الفزع الأكبر يوم البعث، حين ينفخ في الصور ..
وقال محمد بن إسحاق في السيرة: (جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني يومًا مع الوليد بن المغيرة في المسجد، فجاء النضر بن الحارث حتى جلس معهم، وفي المسجد غير واحد من رجال قريش، فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرض له النضر بن الحارث، فكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أفحمه، وتلا عليه وعليهم: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون*لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون*لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون} [الأنبياء: 98، 100]، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل عبد الله بن الزبعري السهمي حتى جلس معهم، فقال الوليد بن المغيرة لعبد الله بن الزبعري: والله ما قام النضر بن الحارث لابن عبد المطلب آنفًا ولا قعد، وقد زعم محمد أنَّا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال عبد الله بن الزبعري: أما والله لو وجدته لخصمته، فسلوا محمدًا كل ما يعبد من دون الله في جهنم مع من عبده؟ فنحن نعبد الملائكة، واليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح عيسى ابن مريم، فعجب الوليد ومن كان معه في المجلس من قول عبد الله بن الزبعري، ورأوا أنه قد احتج وخاصم، فذُكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((كل من أحب أن يعبد من دون الله فهو مع من عبده، إنهم إنما يعبدون الشيطان ومن أمرهم بعبادته)) وأنزل الله: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون*لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون*لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} [الأنبياء: 101-103]))[10].
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في تفسير هذه الآيات: (قال: هم الملائكة وعيسى، ونحو ذلك مما يُعبد من دون الله عز وجل)[11].
والاقتران بين «عيسى» واسم الله «السلام» له ضرورته في نهاية الزمان، حين يجيء ليقضي على الدجال الذي تتبعه الشياطين[12] ..
«القيوم» اسم «القيوم» معناه: القيام بالنفس، فالله سبحانه وتعالى لا يفتقر في قيامه إلى غيره، ولذلك كان الحَمْل من خصائص الخلق، فأصبح كلُّ من يجري عليه الحمل مفتقرًا إلى غيره في قيامه، وليس قائمًا بنفسه، ومن هنا تظهر الحكمة من جعل الملائكة يحملون العرش؛ إثباتًا لحقيقة أنه مخلوق ..
وهذا المعنى يمثل أساسًا في إثبات عبودية عيسى عليه الصلاة والسلام .. ابتداء من خلقه في بطن أمه؛ لأن القرآن قال في ذلك: {فحملته فانتبذت به مكانا قصيا} [مريم: 22]؛ لأن لفظ {فحملته} يغلب عليه جانب عيسى بدلًا من لفظ (حملت به) الذي يغلب عليه جانب مريم، ويأتي في سياق هذا المعنى قول الله عز وجل: {فأتت به قومها تحمله} [مريم: 27].
كما ثبت هذا المعنى في رفع عيسى، وعند نزوله في آخر الزمان ..
قال صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الدجالَ وفتنته: ((فبينما هم كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، بين مهرودتين، واضعا كفَّيه على أجنحة ملكين))[13].
مع أن رفع عيسى ونزوله كان ممكنًا بغير الملائكة ..!
وحتى عندما وصف النبي صلى الله عليه وسلم عيسى عليه السلام وهو يطوف بالبيت في آخر الزمان قال: ((أراني الليلة عند الكعبة، فرأيتُ رجلا آدم، كأحسن ما أنت راءٍ من أُدْم[14] الرجال، له لَمَّةٌ[15] كأحسن ما أنت راءٍ من اللمم، قد رَجَلَها[16]، فهي تَقطُر ماءً، متكئًا على رَجلين، أو على عواتق رجلين[17]، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: المسيح ابن مريم))[18].
بل حتى في كتاب «متى» ورد نفس المعنى: (لأنهُ مكتوب: إنهُ يوصي ملائكتهُ بكَ، فعلى أياديهم يحملونك؛ لكي لا تصدم بحجر رجلك) (متى: 4-4).
والحقيقة أن المعنى المقصود يظهر واضحًا في هذا النص؛ لأنه لو كان مجرد وصف حالة من أحوال المسيح ما اقتضى الأمر أن يقول: (مكتوب) فكتابة هذه الكلمة تدل على القصد من معنى الحمل ..!
«البديع» واسم الله «البديع» مرتبط بخلق عيسى من جهتين:
الأولى: إثبات قدرة الله المطلقة على الخلق بكل وجوهه وأشكاله، كما سيأتي في الكلام على الحكمة من خلق عيسى بلا أب.
والثانية: نفي ما ادعاه المشركون من نسبة الولد لله، وذلك أن من أبدع الخلق من العدم إلى الوجود غنيٌّ عن كل ما سواه، غير محتاج إلى مُعِينٍ.
وجميع المواضع التي ذُكر فيها اسم الله «البديع» جاءت مرتبطة بتنزيهه سبحانه عن الولد ..
ففي سورة البقرة: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون*بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة: 116، 117].
وفي سورة الأنعام: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101].
«العلي الكبير» إن اسم الله «العليّ الكبير» ينفي بمعناه بدعة ادِّعاء الولد لله، ولذلك جاء الأمر بإكبار الله -في سورة الإسراء بعد حمده- على أنه سبحانه لم يتخذ ولدًا: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} [الإسراء: 111].
فالعبادة والطاعة والتذلل لله تحقق الإحساس بأنه الأعلى في نفوس العباد، كما هو الأعلى بذاته، وتصير كلمته هي العُليا في نفوسهم كما هي العُليا في ذاتها نفسها، وكذلك التكبير يراد به أن يكون عند العبد أكبر من كل شيء، وهذا يبطل قول من جعل أكبر بمعنى كبير. وبهذا المعنى تثبت لله صفة العلو الذاتي .. كما يَثْبُتُ الشعور البشري الواجب تجاه الصفة.
ومن هنا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَدِيِّ بن حاتم يدعوه للإسلام وهو لم يزل بعد نصرانيًّا: ((يا عديّ ما يُفِرُّك؟! .. أيُفِرُّك أن يقال: لا إله إلا اللّه؟! فهل تعلم مِنْ إله إلا الله؟!
يا عديّ، ما يُفِرُّك؟! أيُفِرُّك أن يقال: الله أكبر؟! فهل من شيء أكبر من اللّه؟!))[19].
إن تخصيصَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عديّ بن حاتم -وهو نصراني- بهذا الكلام من ناحية، وارتباط اسم الله «الكبير» باسمه «العلي» من ناحية أخرى- يعني: أن اسم الله «العلي الكبير» يعالج خللًا عقديًّا خطيرًا عند النصارى، وهذا الخلل ناشئ من اعتبارهم أن «العلي الكبير» بعيدٌ عن العباد، متكبرٌ عليهم، وأن الإيمان بنزول الله وتجسده يحقق القرب من الناس ..!
ومن هنا عالجت النصوص الشرعية هذا الخلل، فأثبتت الآيات العلو الإلهي مقترنًا بصفة الرحمة واسم الرحمن: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5].
والعرش أوسع المخلوقات ..
والرحمة أوسع الصفات ..
فيكون الاستواء على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات ..
ومن هنا كان قول الله سبحانه: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم} [غافر: 7].
ومن مجموع الآيات التي ورد فيها اسم الله «العلي الكبير» يتبين المعنى الأساسي الذي ينتفي به ادِّعاء الولد، وهذا المعنى هو الإيمان بالفرقان بين الخالق والمخلوق، حيث أثبتت كل مواضع القرآن التي ورد بها الاسمين تفسير معنى الفرقان من خلال عدة حقائق ..
الأولى: افتقار الخلق لنعمه وآياته وقوله ووحيه سبحانه .. كما في سورة الحج ولقمان وسبأ وغافر ..
ففي سورة الحج: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير*ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير*له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغني الحميد*ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم} [الحج: 62-65].
وفي سورة لقمان: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير*ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور*وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} [لقمان: 30-32].
وفي تفسير هذه الآيات يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه: ((خيري إلى العباد نازل، وشرهم إليَّ صاعد))[20].
وفي سورة سبأ: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير*ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير*قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} [سبأ: 22-24].
يقول الإمام ابن كثير عند تفسير هذه الآيات: (بيَّن تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له ولا شريك، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي: من الآلهة التي عبدت من دونه، {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض)، كما قال تعالى: {والذين يدعون من دونه ما يملكون من قطمير}، وقوله تعالى: {وما لهم فيهما من شرك} أي: لا يملكون شيئًا استقلالًا ولا على سبيل الشركة {وما له منهم من ظهير} أي: وليس للّه من هذه الأنداد من مُعينٍ يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه، قال قتادة في قوله عزَّ وجلَّ: {وما له منهم من ظهير} من عون يعينه بشيء، ثم قال تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} أي: لعظمته وجلاله وكبريائه، لا يجترئ أحدٌ أن يشفع عنده تعالى في شيء، إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال عزَّ وجلَّ: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقال جلَّ وعلا: {وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى}، وقال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون}؛ ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم -وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند اللّه تعالى- أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم، قال: ((فأسجد للّه تعالى .. فَيَدَعَني ما شاء اللّه أن يدعَني، ويفتح عليَّ بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تُسمَع، وسل تُعطَه، واشفع تشفع))[21]. وقوله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق}، وهذا أيضًا مقام رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السموات كلامه أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغَشِيّ، قال ابن مسعود: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} أي زال الفزع عنها، وقال ابن عباس والضحاك والحسن وقتادة في قوله عزَّ وجلَّ: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} يقول: جُلِّي عن قلوبهم، فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضًا: {ماذا قال ربكم} فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: {قالوا الحق} أي: أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان {وهو العلي الكبير}).
وفي هذه الآيات تَثبُت حقيقة الارتباط بين الفرقان العقدي والمنهجي بصفة العلو، واسم الله العلي الكبير حيث جاء في الآية: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}.
فالإيمان بأن الله هو «العلي الكبير» كما أنه الأساس العقدي للفرقان بين الخالق والمخلوق، فإنه الأساس المنهجي للفرقان بين الهدى والضلال.
سُئل الجنيد عن التوحيد فقال: (هو إفراد الحدوث عن القدم)، فَبَيَّن أنه لا بد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق، فلا يختلط أحدهما بالآخر.
أما في سورة غافر: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير*هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب*فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون*رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق} [غافر: 12-15].
وتفسيرًا لهذه الآيات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السموات منه رجفة - أو قال رعدة - شديدة خوف أمر الله، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبرائيل على الملائكة كلما مر بسماء ملائكتها. ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق وهو العلي الكبير، قال: فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمره الله))[22].
وعن قتادة: (فتَفْرَقُ الملائكة -أو تفزع- مخافة أن يكون شيء من أمر الساعة).
في هذا الحديث نرى أثر سماع كلام الله على السموات وأهلها وجبريل والملائكة، وهو ما يتناسب مع عظمة الله وجلاله، خلافًا لادعاء نزول الله وتجسده -سبحانه- في مخلوق ..!
واختصاص جبرائيل بالذكر فيمن يصاب بالفزع ويخر ويسجد، ثم كونه أول من يرفع رأسه ليكلمه الله من وحيه بما أراد- إثباتٌ لأنه مخلوق لله، ذو قَدْرٍ عنده، ونفيٌ لفرية الأقنوم الثالث المزعوم عند النصارى.
وعندما ذكر الله رفع عيسى كانت صيغة الإسناد في فعل الرفع إلى الله -سبحانه- إثباتًا لصفة «العلو» ..
قال عز وجل: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} [آل عمران: 55] ..
وفي موضعٍ آخر: {بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158] ..
وعلى ضوء تفسير اسم الله «الكبير» وعلاقته بعقيدة النصارى نناقش مسألة في غاية الخطورة؛ وهي مسألة «تواضع الإله» ..!
فعندما اعترض الناس على النصارى في قولهم بأن الابن كأقنوم من الأقانيم الثلاثة، قد تجسد وصُلب وعُذب ومات .. وهو ما لا يتفق مع مقام الألوهية في النفس الإنسانية- حاولوا معالجة المسألة بنفي الألوهية عن المسيح في هذا الحال، وقالوا: إن هذه الأشياء وقعت على الناسوت فقط دون اللاهوت ..!
واستدلوا بقول بولس في رسالة فيلبي: (وإذ وُجد في الهيئة كإنسان وَضَعَ نفسه وأطاع حتى الموت، موت الصليب) (في 2: 8) وهذا القول منهم يثبت الانفصال بين اللاهوت والناسوت ..!
فردَّ عليهم مؤلف اللاهوت النظامي نافيًا هذا الفهم بقوله: (وقد أخطأ البعض في تفسير قول بولس: (وضع نفسه) وقالوا: إن المسيح أخلى نفسه من اللاهوت وصار إنسانًا فقط مدة بقائه في حال الاتضاع. والصحيح أن فيلبي‌ (2: 8) تقول: إن ابن الله صار في حال الاتضاع مدة حياته على الأرض؛ أي: أن تجسده كان من باب الاتضاع) ..
فأراد أن ينفي دلالة التعذيب والخضوع والصلب على عدم الألوهية .. بزعم أنها كانت من باب التواضع ..!!
وهو الأسوأ من سابقه .. فإن التواضع من الإنسان فقط؛ لأنه أهلٌ لذلك وجديرٌ به ..
أما الإله، فإن تواضعه ينفي اتصافه بالألوهية؛ لأنها مقتضى العلو والملك والهيمنة، كما أنها مقتضى الربوبية والنعمة والرحمة ..
وإذا قيل: إن ولادة المسيح من امرأة ووضعه تحت الناموس وصلبه وآلامه وموته .. اتضاع ..
فما الذي يقال في نزوله إلى الأرض السُّفلى ..؟!
وما الذي يقال في غضب الله الذي وقع عليه واحتمله ..؟! وكيف يُحسَب ذلك من الاتضاع ..؟!
(وأما أنه صعد، فما هو إلا أنه نزل أيضًا «أولًا» إلى أقسام الأرض السفلى) (أف 4: 9).
وحسب قانون إيمانهم: (أُوْمِن بالله الآب الضابط الكل، خالق السماء والأرض، وبيسوع المسيح ابنه الوحيد ربنا، .. وصُلب ومات ودُفن ونزل إلى الجحيم ..) ..!
ولشدة إحساسهم بالحرج .. حاولوا تخفيف الكلمة .. فقال مؤلف اللاهوت النظامي: (الأصح من قولنا: «نزل إلى الجحيم» أن نقول: نزل إلى الهاوية، أو نزل إلى عالم الأرواح) ..!
ثم يقول: (والعبارة «نزل إلى الجحيم» لا توجد أصلًا في هذا القانون، ولكنها زيدت عليه في نحو القرن الخامس).
فهو متخبطٌ بين محاولة تخفيفها وبين محاولة القول بتحريفها .. ولا يُفلح الساحر حيث أتى ..!
فقول النصارى بتواضع الله أو الاتضاع باطلٌ من حيث الصفة ومن حيث الموضوع ..
واسم الله «الكبير» ينفي عن الله صفة التواضع، ويثبت الفرقان بين الله والعباد، حتى وهم في أعلى مقامات الخلق ..
يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((جَنَّتان .. من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان .. من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم تبارك وتعالى .. إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن))[23].
وقد أثبت الله لذاته اسم «الكبير» واسم «المتكبر» ..
فهو سبحانه «الكبير» «المتكبر» بذاته وبصفاته وأفعاله ..
وانطلاقا من اسم الله «العلي الكبير» .. ننتقل إلى مناقشة قضية الصفات باعتبار أن هذين الاسمين كانا أساس إثبات الصفات في إطار قضية المسيح عيسى ابن مريم.








[1] أخرجه البخاري (6957)، ومسلم (2677).
[2]أخرجه أحمد في المسند (3712، 4318)، والحاكم في المستدرك (1877)، وابن حبان في صحيحه (972).
[3]تفسير الطبري (16/106).
[4]أخرجه أحمد في مسنده (15399).
[5]أخرجه البخاري (3290، 6530)، ومسلم (1792) كلاهما من حديث الأعمش عن شقيق عن عبد الله قال: (كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًّا من الأنبياء ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه، ويقول: ((رب اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون))، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (973) من حديث سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون)).
[6]تفسير ابن كثير (4/62).
[7]جاء في تفسير الآية: (السَّلاَمُ عَلَيَّ) أي: لا يلحقني الشيطان.
[8]أخرجه البخاري (3248، 4274)، ومسلم (2366)، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[9]أخرجه أحمد في مسنده (9259، 9630) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
[10]تفسير الطبري (17/97)، وابن كثير (3/200، 4/132)، والسيرة النبوية لابن هشام (2/205).
[11]أخرجه الحاكم في المستدرك (3449).
[12]سيتم شرح هذه المسألة بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب.
[13]أخرجه مسلم (2937) من حديث النواس بن سمعان.
[14]الأدمة: السمرة.
[15]اللِّمَّة: شعر الرأس المجاوز شحمة الأذن، وهي دُون الجُمَّة، سُمِّيت بذلك لأنها ألَمَّت بالمَنْكِبَين.
[16]الترجيل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه.
[17]العاتق: ما بين المنكب والعنق.
[18]أخرجه البخاري (5902، 6999)، ومسلم (443) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
[19]أخرجه الترمذي (2953)، وأحمد (4/257)، كلاهما من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.
[20]أخرجه البيهقي في الشعب (4589)، والمناوي في فيض القدير (4/494)، وأبو نعيم في الحلية (2/377، 4/27) وهو ليس من كلام النبي، بل هو من أقوال وهب بن منبه أو مالك بن دينار من قراءتهما في بعض الكتب الإلهية، وكذا صرح هو.
[21]أخرجه البخاري (3340، 4712)، ومسلم (501) كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه البخاري (4476، 6565، 7510)، ومسلم (495، 500) كلاهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
[22]أخرجه البخاري (4424، 4522، 7043) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ومسلم (2229) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[23]أخرجه البخاري (4878، 7444)، ومسلم (466) كلاهما من حديث عبد الله بن قيس رضي الله عنهم


الفصل الثاني : الصفات 

الفصل الثاني
الصفات :
وكما كان نفي الولد عن الله أساسًا في معنى أسماء الله الحسنى .. كان نفي الولد عن الله أيضًا أساسًا في معنى صفاته العلى سبحانه ..
ولذلك يقول ابن تيمية: (والله -سبحانه وتعالى- قد نفى عن نفسه مماثلة المخلوقين، فقال تعالى: {قل هو الله أحد* الله الصمد* لم يلد ولم يولد* ولم يكن له كفوا أحد}، فبين أنه لم يكن أحد كفوا له.
عَن أُبيِّ بنِ كَعبٍ قال: (نزلت سورة الإخلاص لما قال المشركونَ لرَسولِ اللَّهِ: انسُب لنا ربَّكَ ..! فأنزلَ اللَّهُ تعَالى: {قل هو الله* أحد الله الصمد}([1]) .. والصَّمدُ هو الَّذِي لم يلدْ ولم يولد .. لأنَّهُ ليس شيءٌ يُولدُ إلَّا سيموتُ، وليس شيءٌ يموتُ إلَّا سيورثُ، وإنَّ اللَّهَ لا يموتُ ولا يُورَثُ .. {ولم يكن له كفوا أحد} قَالَ: لمْ يكنْ لهُ شبيهٌ ولا عَدلٌ وليسَ كمثلهِ شيءٌ).
وقول رسول الله: ((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن))[2] يجب أن يكون منطلقا أساسيًّا في فهم القرآن، حيث ندرك به حقائق هامة وجوهرية في مواجهة ادِّعاء الولد، وذلك من خلال اسم الله «الصمد»، وفيه للسلف أقوال متعددة، قد يُظَنُّ أنها مختلفة .. وليست كذلك؛ لأن معانيها تتضمن كل حقائق المواجهة لكل مسائل تحريف النصارى.
فـ «الصمد» .. الذي لا يدخله شيء .. ولا يتخلله شيء .. ولا يخرج منه شيء.
وفيه مواجهة لبدعة التجسد، ونفي للتجزيء والتأليف عن ذاته، ومواجهة ادِّعاء الأقانيم التي يتجزء أو يتألف منها الله .. سبحانه وتعالى عن ذلك ..
وهذه الحقائق في صفات الله تمثل في قضية عيسى ابن مريم أهمية بالغة؛ ذلك لأن كل ما له جوف يمكن أن يدخله أو يخرج منه شيء، وأول ذلك الروح ..
لأن الذي أنشأ مشكلة «روح القدس» عند النصارى هو الظنُّ بأنه «الروح» التي تُنفخ في البشر قبل ولادته، وتخرج منه عند موته .. وهذا باطل؛ لأن «روح القدس» هو جبريل.
و«الصمد» .. الذي لا جوف له هو الذي لا حشو له؛ أي: ليست له أحشاء ..
وهو الذي لا يَطْعَم؛ أي: لا يأكل ولا يشرب، وفيه مواجهة الادعاء بأن الله يأكل ويشرب، ويتفق هذا المعنى مع القرآن في إثبات بشرية المسيح؛ لأكله الطعام .. لأن البشر الذين يأكلون ويشربون لهم جوف يدخل فيه الطعام ويخرج منه.
يقول عز وجل في عيسى وأمه: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل* وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} [المائدة: 75] وقد ختمت الآية بقوله تعالى: {انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} لما في الافتقار إلى الطعام من الدلالة القاطعة على بشرية عيسى وأمه.
وكذلك الولادة .. فالذي له جوف مثل رحم المرأة التي تلد .. وأن الولد يكون في جوفها ..
ومن معاني «الصمد» .. الذي لا تعتريه الآفات ..
وفيه مواجهة للادعاء بأنه صُلِبَ وضُرِبَ وطُعِنَ بالحربة في جنبه ..!
ومن معاني «الصمد» .. الأزلي بلا ابتداء ..
وفيه مواجهة الادعاء بأن الابن كان مع الأب منذ الأزل ..!
ومن معاني «الصمد» .. الأول بلا عدد ..
وفيه مواجهة لقولهم ثالث ثلاثة ..!
ومن معاني «الصمد» .. الباقي بعد خلقه .. فهو الدائم الحي القيوم، الذي لا زوال له، وهو الذي لا يبلى ولا يفنى ..
وفيه مواجهة للادعاء بموت الإله ..!
ومن معاني «الصمد» .. الذي ليس فوقه أحد ..
وفيه مواجهة الادعاء بنزول الله في الأرض ..!
ومن معاني «الصمد» .. الذي لا يكافئه من خلقه أحد ..
فهو المقصود إليه في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، وهو المستغني عن كلِّ أحد، المحتاج إليه كلُّ أحد، الذي لا يُوصف بصفته أحد ..
ومن معاني «الصمد» .. الذي لا تدركه الأبصار ولا تحويه الأفكار ولا تبلغه الأقطار وكل شيء عنده بمقدار ..
وهو الذي جَلَّ عن شُبَه المصورين ..
فاسم الله «الصمد»: إثبات الكمال لله .. فهو السيِّد الذي كَمُل في سُؤُدِّده .. الكامل في جميع صفاته وأفعاله ..
أمَّا اسم الله «الأحد» ففيه نفي المِثْل والشبيه ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال الله تعالى: شتمني ابن آدم .. وما ينبغي له أن يشتمني ..
وكذبني .. وما ينبغي له أن يكذبني ..
أما شتمه إياي .. فقوله: إن لي ولدًا .. وأنا الله الأحد الصمد .. لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوًا أحد ..
وأما تكذيبه إياي .. فقوله: ليس يعيدني كما بدأني .. وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته))[3].
ويفسر الإمام ابن تيمية كيف يواجه معنى{ الله أحد*الله الصمد} التحريف النصراني مواجهة كاملة فيقول: (الولادة والتولد وكل ما يكون من هذه الألفاظ لا يكون إلا من أصلين، وما كان من المتولد عينًا قائمة بنفسها فلا بد لها من مادة تخرج منها، وما كان عَرَضًا قائمًا بغيره فلا بد له من محل يقوم به ..
فالأول: نفاه بقوله: {الله أحد}، فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير، فيمتنع أن تكون له صاحبة، والتوالد إنما يكون بين شيئين، قال تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} [الأنعام: 101].
فنفى سبحانه الولد بامتناع لازِمِه عليه، فإن انتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم، وبأنه خالق كل شيء وكل ما سواه مخلوق له، ليس فيه شيء مولود له.
والثاني: نفاه بكونه سبحانه {الله الصمد} وهذا المتولد من أصلين يكون بجزئين ينفصلان من الأصلين، كتولد الحيوان -من أبيه وأمه- بالمَنِيِّ الذي ينفصل من أبيه وأمه، فهذا التولد يفتقر إلى أصل آخر، وإلى أن يخرج منهما شيء، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى، فإنه {أحد} فليس له كفؤ يكون له صاحبة ونظيرًا، وهو {صمد} لا يخرج منه شيء، فلأن الله أحد صمد .. يمتنع أن يكون والدا، ويمتنع أن يكون مولودًا بطريق الأولى والأحرى).
وكما كان ادِّعاء الولد نتيجة للخلل في تصور أسماء الله الحسنى .. كان هذا الادعاء نتيجة للخلل في تصور صفات الله سبحانه.
فمثلًا: فإذا كان هناك خلل في فهم العلاقة بين اسم الله «الرحمن» واسمه «القدير» .. فإن هذا الخلل يكون حادثًا في نفس الوقت في العلاقة بين صفة الرحمة وصفة القدرة ..
فعندما زعم النصارى أن الصلب كان فداءً للبشر وكفَّارة لخطيئة آدم .. كان الخلل من ناحية الإيمان بقدرة الله على تكفير هذه الخطيئة دون الاضطرار إلى بذل ابنه الوحيد بزعمهم ..!
لأن البذل هو التضحية بالمحبوب، أو بالأمر المحبب، وفعل هذه التضحية يكون اضطرارا[4] ..
فكيف تكون خطيئة آدم سببًا لنزول الله -سبحانه- إلى الأرض وصلبِه والبصقِ في وجهه .. والله يقول في الحديث القدسي: ((يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فتضرُّوني .. ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني .. يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم- ما نقص ذلك من ملكي شيئا ..))[5].
وهكذا تصبح كل آثار ادِّعاء الولد خللًا في التصور الصحيح لصفات الله عز وجل، ليكون هذا الادعاء هو التناقض النهائي مع التصور الصحيح للصفات.
ومن أهم الصفات التي يتناقض معها ادِّعاء الولد .. صفة العلو واسم الله «العليّ» ..
وذلك لقولهم بنزول الله -سبحانه- إلى الأرض ..!
وكذلك صفة «الكِبَر» .. واسم الله «الكبير» ..
وذلك لقولهم بوجوده في محل النطفة، في ظلمات الرحم والمشيمة في بطن امرأة من البشر، الذين لا يشغلون جميعًا شيئًا من الأرض ..!
والتي لا تساوي شيئًا في السماء ..
كما لا تساوي السموات والأرض شيئا بالنسبة للكرسي ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما السموات السبع في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة[6] ..
وفضل العرش على الكرسي .. كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة))[7].
وبذلك تكون صفة «العلو» واسم الله «العلي»، وصفة «الكِبر» واسم الله «الكبير» هما أساس التقابل مع بدعة ادِّعاء الولد.
ولذلك يقول ابن تيمية: (والرسل صلوات الله عليهم أخبروا بأن الله فوق العالم بعبارات متنوعة ..
تارة يقولون: هو العلي وهو الأعلى .. وتارة يقولون: هو في السماء كقوله: {أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا} [الملك: 17].
وليس مرادهم بذلك أن الله في جوف السموات أو أن الله يحصره شيء من المخلوقات، بل كلام الرسل كله يصدق بعضه بعضا كما قال تعالى: {سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين*والحمد لله رب العالمين} [الصافات: 180-182]، وقد قال تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3].
وثبت في الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن ينام، اضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: ((اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنا الدين وأغننا من الفقر))[8].
فأخبر أنه لا يكون شيء فوقه، ولهذا قال غير واحد من أئمة السلف: إنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يخلو العرش منه، فلا يصير تحت المخلوقات وفي جوفها قط، بل العلو عليها صفة لازمة له، حيث وجد مخلوق فلا يكون الرب إلا عاليًا عليه.
وقول الرسل: «في السماء» أي: في العلو ليس مرادهم أنه في جوف الأفلاك، بل السماء: العلو، وهو إذا كان فوق العرش فهو العلي الأعلى، وليس هناك مخلوق حتى يكون الرب محصورًا في شيء من المخلوقات، ولا هو في جهة محدودة، بل ليس موجودًا إلا الخالق والمخلوق، والخالق بائن عن مخلوقاته عالٍ عليها، فليس هو في مخلوق أصلًا، سواء سُمِّيَ ذلك المخلوق جهةً أو لم يُسَمَّ جهة، ومن قال: إنه في جهة تعلو عليه أو تحيط به أو يحتاج إليها بوجه من الوجوه فهو مخطئ، بل طريق الاعتصام أنَّ ما أثبته الرسل لله أُثبِتَ له، وما نفته الرسل عن الله نُفِيَ عنه، والألفاظ التي لم تنطق الرسل فيها بنفي ولا إثبات .. كلفظ الجهة والحَيِّز ونحو ذلك .. لا يُطلَق نفيًا ولا إثباتًا إلا بعد بيان المراد .. فمن أراد بما أثبت معنىً صحيحًا فقد أصاب في المعنى).
فالإيمان بأسماء الله وصفاته هو في الابتداء معالجة لشعور الإنسان في جميع أحواله بالله عز وجل ..
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (كنا إذا صعدنا كبرنا، وإذا نزلنا سبحنا)[9].
فعند الصعود .. يصيب الشعور بالعُلُوّ نفْسَ الإنسان، فيأتي التكبير مذكرًا بأن الله أكبر ..
وفي الهبوط .. يأتي التسبيح .. تنزيهًا لله عن النقائص والعيوب .. ومنها هذا الحال ..
وفي صحيح مسلم أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن جارية له؟ قال: يا رسول الله، أفلا أعتقها؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((إيتني بها)) فأتاه بها، فقال لها: ((أين الله؟)) قالت: في السماء، قال: ((من أنا؟)) قالت: أنت رسول الله، قال: ((اعتقها؛ فإنها مؤمنة))[10].
فاعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الإيمان بصفة العلو إيمانًا مطلقًا بالله ..
ومن هنا يكون الخلل في الإيمان بهذه الصفة .. هو نقيض الإيمان.
ولذلك فإن اسم الله «العلي» وصفة «العلو»، واسم الله «الكبير» وصفة «الكبر» .. هما محور التقابل بين التصور الإسلامي للصفات، والتحريف النصراني لها بادعاء الولد ..
ولما كانت حقيقة العرش هي الجامعة لهاتين الصفتين .. كان تفسير حقيقة العرش هو المواجهة الكاملة مع بدعة ادِّعاء الولد ..
وعلى هذا الأساس نفهم السياقات القرآنية التي تناولت نفي بدعة ادِّعاء الولد من خلال إثبات حقيقة العرش ..
ففي سورة الأنبياء قال تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون*لا يسأل عما يفعل وهم يسألون*أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون*وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون*وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} [الأنبياء: 22-26].
وفي سورة المؤمنون يقول عز وجل: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم*سيقولون لله قل أفلا تتقون*قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون*سيقولون لله قل فأنى تسحرون*بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون*ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون} [المؤمنون: 84-91].
وفي سورة الزخرف قال سبحانه: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين*سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون} [الزخرف: 81-82].
جاء في تفسير الجلالين: {سبحان رب السماوات والأرض رب العرش} الكرسي {عما يصفون} يقولون من الكذب بنسبة الولد إليه.
ومن هنا كان الجمع بين آية الكرسي التي تثبت لله العلوَّ والكِبَر .. وسورة الإخلاص التي تنفي عن الله الولد ..
وذلك من خلال ورود اسم الله الأعظم فيهما ..
ففي آية الكرسي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن اسم الله الأعظم لفي ثلاث سور من القرآن: في سورة البقرة، وآل عمران، وطه))[11].
وقد رجح العلماء أن موضعه بالبقرة في آية الكرسي: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} ..
وفي سورة الإخلاص سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد سأل الله باسمه الأعظم، الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب))

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يشرفنى اضافة تعليقك على الموضوع سواء نقد او شكر